إنه نبض يمتد لألاف السنين تراثا وتاريخا وحضارة . لنتكاتف جميعا من أجل أن نعيد الحيوية لنبض عراقنا بعد ان جثم المحتل وعملاءه على الصدور ...

الخميس، أكتوبر 22، 2009

لكي لا ننسى هذه جرائم الاميركان في العراق ... أيام في صيف بغداد (**)


بغداد/أوائل آب 2009/الساعة الحادية عشرة صباحا ...
كانت درجة الحرارة 48 درجة مئوية، وأنا في سيارة الأجرة منذ عشرين ساعة في رحلة مضنية من دمشق الى العراق.
في العاصمة السورية تحدثت مع اللاجئين العراقيين من مسيحيين ومسلمين، وتحدثت مع أناس فقدوا كل شيء : العائلة والصحة والممتلكات. ولا زلت متأثرا بإحدى هذه القصص التي لا تفارق مخيلتي. إنها قصة منال، الفتاة الشيعية ذات الثمانية وعشرين ربيعا وقصتها تختصر معاناة شعب كامل.
إقتحم الجنود الأمريكان بيت منال في شتاء عام 2004 وشدّوا وثاقها ووضعوا كيسا أسود في رأسها وأخذوها هي وأمها بالطائرة السمتية الى سجن مطار بغداد الدولي. وجّه الأمريكان لمنال وامها تهمة الإرهاب. وكانت وسائل التحقيق معهما في المعتقل تزداد قسوة كلّما شعر المحققون أن إتهاماتهم لا دليل يسندها. كان يجري تشغيل الموسيقى الصاخبة التي تصمّ الآذان في زنزانة منال طوال الليل يرافق ذلك سكب الماء المثلّج عليها، وكان الجنود الأمريكان السكارى يهددونها بالإغتصاب إذا لم تعترف.
وفي إحدى اليالي اخذوا منال الى غرفة فيها منضدة، وجيء بمعتقل عراقي شاب جرّد من ثيابه وألقوه على المنضدة وقام أحد الجنود الأمريكان بإغتصابه. حاولت منال أن تشيح بوجهها عن هذا المنظر لكن الجنود الأمريكان أجبروها على مشاهدة عملية الإغتصاب. وبعد عودتها الى زنزانتها جاءوا من جديد وقصّوا جديلتها السوداء الطويلة التي كانت كانت تعتزّ بها.
وبعد بضعة ايام هددها الحراس الأمريكان بإنها إذا واصلت إنكارها فسوف يقتلون أمها، ولكن منال لم يكن لديها ما تعترف به. ومن جديد وضعوا الكيس الأسود في رأسها ثم أطلقوا رصاصة في الزنزانة المجاورة وقالوا لها بهدوء لقد قتلنا أمك، وإنهارت منال باكية. وفي اليوم التالي لعب الجنود الأمريكان نفس هذه اللعبة الشريرة مع أمها.
وبعد ثلاثة وثلاثين يوما من الإعتقال أطلق سراح منال، وتركت في شارع مقفر قرب المعتقل، بينما نقلت أمها الى سجن أبي غريب لتقضي فيه ستة أشهر أخرى.
واليوم تعيش منال وأمها في حي (جرمانه) وهو أحد الأحياء الفقيرة في ضواحي دمشق والذي يسكنه أيضا آلاف اللاجئين المسيحيين العراقيين.
ومنال شابة لا تعرف الإستسلام، ولذا أقامت دعوى ضد االحكومة الأمريكية، كما أنها لم تتخلّ عن أحلامها، وهي ستتزوج خلال الأيام القادمة من حيدر السني العراقي ذو التسعة وعشرين عاما، رغم أنها لا تملك حتى ثمن بدلة العرس بعد أن نهب الأمريكان كل مقتنياتها عند إعتقالها.
وقطع السائق العراقي إستذكاري لقصة منال قائلا بصوت أجشّ : نحن على مسافة ساعة واحدة من بغداد. وكنت قد خمّنت ذلك من تكاثر أعداد الحواجز أمامنا. وواصلنا طريقنا الى وسط المدينة.
بغداد، مدينة ألف ليلة وليلة الأسطورية تحولت الى حصن بائس مكون من ألف جدار كونكريتي، وألف برج مراقبة، وألف نقطة تفتيش مسلحة تسليحا ثقيلا. وتنتصب في سماء بغداد سبعة بالونات كبيرة للرصد، وهي تنقل كل حركة الى مراكز السيطرة والأمن للقوات الأمريكية.
ورغم عسكرة المدينة بالكامل تحصل فيها يوميا عشرة حوادث مسلّحة بين عمليات للمقاومة العراقية وعمليات لجنود الإحتلال المثقلين بالأعباء أوعمليات الميليشيات المتطرفة أو عمليات الإرهابيين القادمين من الخارج أو أرهابيي الداخل المسيّرين من الخارج. كثير من العراقيين يعتقدون أن الهجمات التي تستهدف تأجيج الصراعات العرقية والطائفية هي من عمل أجهزة الإستخبارات الأجنبية والشركات الأمنية الخاصة مثل (بلاك ووتر). المستقبل سيكشف هل أن هذا الإعتقاد ناتج عن نظرية المؤامرة التي يغرم بها الشرق، أم أنها الحقيقة المرة لحرب قذرة.
السياسون الألمان الذين لا زالوا يحلمون بوضع أمني أفضل لم يزوروا بغداد. إنهم يأتون الى بعض الواقع المحصنة تحصينا جيدا، إما في داخل المنطقة الخضراء أو في حي المنصور حيث تقع السفارة الألمانية.
أما الدبلوماسيون الألمان فهم لا يغادرون بناية السفارة المحاطة بالجدران الإسمنتية ولو للحظة واحدة، فبناية السفارة هي سجن مغلق عليهم. فقط السفير الألماني يغادر البناية لزيارة (سجون) مجاورة أخرى شديدة التحصين ترافقه قوات حراسة ألمانية. إنه لأمر مستغرب أن يصل السياسيون، الذين طوقوا أنفسهم بهذا العالم الوهمي، الى رأي عن الوضع في العراق.
في حدود الساعة الثانية عشرة ظهرا وصلت أخيرا الى فندق (المنصور ميليا) الذي يشبه ثكنة عسكرية. هذا الفندق يعتبر آمنا منذ آخر تفجير حصل فيه عام 2007 وأدّى الى مقتل 17 شخص وجرح 70 آخرين. وبعد إستراحة قصيرة في الفندق توجهت مع بعض الأصدقاء الى (سبع قصور) وهو حيّ بائس يقع شمالي بغداد، وفي هذه الأثناء كانت درجة الحرارة قد بلغت 52 درجة مئوية. سبع قصور هو حيّ لا يكاد يعرفه أحد، وواسطة النقل الأساسية فيه لا زالت العربات التي تجرها الحمير.
في حي سبع قصور تعيش مروة ذات الثمانية عشر عاما مع أمها وإخوتها الأربعة. مروة فقدت ساقها في هجوم جوي أمريكي في نيسان 2003 أودى بحياة شقيقتها الصغرى عذراء. ولقد قمنا بعلاج مروة في المانيا وعملنا لها ساقا إصطناعية، وعادت مروة الى وطنها العراق يملؤها الأمل، وكانت تحلم أن تكون طبيبة، لكن هذا الأمل تلاشى. وتركت مروة المدرسة، ففي العراق المحرر اليوم عادت النساء حبيسات البيوت.
ويبدو أن الحظ تخلّى عن عائلة مروة، فأخوها الأصغر أحمد غرق في النهر بينما كان يهرب من دورية أمريكية، وأمها فليحة، التي كانت مرحة وممتلئة القوام، فارقت وجهها الإبتسامة واصيبت بمرض السكر وأصبح وزنها أربعون كيلوغراما فقط. فليحة شعرت باليأس مما أصاب أسرتها وحاولت الإنتحار بإلقاء نفسها أمام سيارة مسرعة، ولكن حتى الموت رفض أن ينقذها من شقائها.
وفي أول كل شهر تقف فليحة، مثل بقية النساء، في صف طويل أمام محل توزيع الحصة التموينية للحصول على حصتها الغذائية المدعومة من الدولة. حصة كل فرد تتكون من تسعة كيلوغرامات من الطحين وثلاثة كيلوغرامات من الرز وكيلوغرامين من السكر وكيلوغرام وربع من زيت المائدة وكيلوغرام من الملح ومائة غرام من البقوليات والحليب المجفف والشاي وكمية قليلة من مسحوق الغسيل وقطعتي صابون. هذه الحصة التموينية تكلف الأسرة خمسة عشر دولارا للفرد الواحد، ولكن غالبية العراقيين يفتقدون ما يكمّل إحتاجاتهم الأساسية. فالملايين من العراقيين يتضورون جوعا، وخاصة الأطفال منهم. أما الجنود الأمريكان، ومعهم الدبلوماسيون الغربيون، فهم لا يعرفون هذا النوع من المعاناة. إنهم مشغولون بالحديث، وبشغف، عن الأطعمة الفاخرة التي تقدمها لهم مطابخ القواعد الأمريكية، وهم مبهورون بالموائد الطويلة التي تقدم أشهى المقبّلات وأروع أطباق السمك واللحم وتلال الفطائر والفواكه والمرطبات. عراق عام 2009 هو عراق الوفرة، ولكن للجنود الأمريكان فقط.
العراقيون ينظرون الى هذا الواقع باستنكار، وبنفس الدرجة من الإستنكار ينظرون الى مناقشة الأوربيين مسألة ترشيح أحد أكبر قادة الحرب على بلدهم، وهو توني بلير، لمنصب رئيس الإتحاد الأوربي. ولكن سلوك العالم لغربي هذا لا يجب أن يثير الإستغراب، وعلى ضحايا الغرب أن لا يتوقعوا منه إحترام مشاعرهم المجروحة أو أن يشعر بالخجل.
وفي الساعة السادسة مساء طلب منا جيران مليحة أن نغادر المكان لإسباب أمنية، ولذا دعوت مليحة وأبنائها لزيارتي في الفندق في اليوم التالي، ولكنهم لم يستطيعوا القدوم فقد أغلق الجنود الأمريكان منطقة سبع قصور بعد حصول إطلاق نار كثيف فيها. وكلّمتنا فليحة بالهاتف راجية عدم قدومنا الى مسكنها ثانية فقد جرى تهديدها بإننا لو زرناها ثانية فلن نعود من تلك الزيارة.
وبعد عدة ساعات علمنا أن فريق التصوير العراقي الذي إستأجرناه للتصوير في مدينة بغداد جرى إعتقاله عندما كان يصوّر بالونات المراقبة في سماء بغداد، كما تعرض الفريق للضرب من الشرطة العسكرية وصودرت كامرتهم ودمرالحاسوب الذي كان معهم، لإن توئيق مظاهر تقييد الحريات غير مسموح به في العراق المحرر!
وفي الليلة التالية ذهبنا الى مدينة الصدر وكنا ضيوفا على الشيخ جمال، وهو شيخ واحدة من أكبر العشائر الشيعية في العراق. ومثلها مثل سبع قصور، فإن مدينة الصدر هي منطقة مغلقة حتى بالنسبة للعراقيين، ولكن بفضل أصدقائي تسللت الى تلك المناطق الأكثر تحريما، وسألت الشيخ جمال ذي التسعة وعشرين عاما : هل أن الشيعة الآن في وضع أفضل بعد تحريرهم من صدام؟ فهزّ رأسه بحيرة وقال : لم تكن هناك مثل هذه الفوضى في زمن صدام إن ست سنوات ونصف من الحرب والإحتلال حصدت من أرواح العراقيين أكثر من سنوات صدام الصعبة الخمسة والثلاثين، لقد قتل لحد الآن أكثر من مليون عراقي، فرص العمل الآن أقل مما كانت في السابق، وكذا بالنسبة للرعاية الصحية والماء الصالح للشرب والكهرباء، مدينة الصدر تزود بأقل من ثلاث ساعات من الكهرباء يوميا، والذهاب للتسوق فيه مخاطرة كبيرة، إنها لمفارقة أن يستطيع الفرد الآن التصويت بحرية لكنه لا يستطيع التنقل بحرّية، لقد كانت الحرب مفيدة لإولئك المحسوبين على قوائم الدفع الأمريكية ولإولئك الذين حصلوا على مقاولات مربحة من الولايات المتحدة. وبدا الشيخ جمال محبطا وتعبا، فقد فقد في الحرب أثنا عشر فردا من عائلته.
وفي طريق عودتنا من هذا اللقاء الى الفندق في وقت متأخر من المساء، لم نلحظ سيارات مدنية كثيرة في الشوارع، فقد حلت محلها عجلات الجيش الأمريكي التي تتجول في شوارع بغداد. الدوريات الأمريكية تأمر السيارت المدنية الإبطاء في السير وأجبرت سيارتنا على الركون الى جانب الطريق ووجهت أضويتها الكشّافة نحونا، وحتى إشعاع الليزر الأخضرالصادر عن رشاشاتهم الثقيلة دخل سيارتنا. وكانت طائرة سمتية أمريكية تحلق على إرتفاع واطيء كزنبور يئز فوق رؤوسنا، لقد كان ذلك كالكابوس المزعج.
وفي ذلك اليوم بالذات سجّلت بغداد أربعة عشر هجوما مسلحا خلفت عشرة قتلى و ثلاثة وأربعون جريحا حسب مركز معلومات الأمم المتحدة، لإن الولايات المتحدة لا تحسب أعداد ضحاياها من العراقيين.
لم تحرر أمريكا العراق، بل حطمته ومزّقته، وأيضا دمرت إمكانية أن يثق العراقيون بمصداقية العالم الغربي في تطبيق القيم التي يدعو اليها والمباديء التي يبشّر بها.
يورغن تودنهوفر
(**) نشرت الصحف الألمانية الرئيسية يوم 10/10/2009 مقال عضو البرلمان الألماني السابق الدكتور يورغن تودنهوفر أعلاه عن مشاهداته في بغداد المحتلة خلال زيارته لها في أوائل آب من هذا العام، وانفردت شبكة البصرة بنشر ترجمة المقال .



هناك تعليق واحد:

أكاديمي عراقي يقول...

للكاتب الألماني عضو البرلمان السابق يورغن تودنهوفر كتاب قيّم معنون (لماذا تقتل يا زيد) وهو شهادة لهذا الرجل المنصف تتحدث عن مشاهداته خلال لقاءاته بالمقاومين العراقيين في الرمادي في صيف عام 2007. وجدير بالذكر أن الكاتب تودنهوفر أثار التساؤل في عنوان كتابه لماذا يقتل زيد الأمريكان ... وزيد هو إسم رمزي لمقاوم العراقي قتل الأمريكان أسرته وإنتهى بالإستنتاج إن الذي قتل عائلة زيد وقتل مليون ومائتا الف عراقي وقتل معهم الالاف من الجنود الأمريكان أيضا إنما هو بوش وسياسات أمريكا والغرب العدوانية في العراق والعالم. وكتابه هذا لاقى رواجا منقطع النظير عالميا فكم حري بكتابنا الاقتداء به لفضح المخطط الذي يستهدف العراق على يد أوباش القرن الحادي والعشرين من أميركان وغربيين وعملاء محتل ... شكرا لمساهمتكم وفقكم الله .