إنه نبض يمتد لألاف السنين تراثا وتاريخا وحضارة . لنتكاتف جميعا من أجل أن نعيد الحيوية لنبض عراقنا بعد ان جثم المحتل وعملاءه على الصدور ...

السبت، يناير 03، 2009

خمسون عاما على الثورة الكوبية ... دروس وعبر لدعاة الثورية (!) في العراق وفلسطين



عندما ظهر فيدل كاسترو لاول مرة بلحيته المعهودة التي أقسم ان لا يحلقها إلا بتحقيق كامل الاهداف التي قامت لاجلها الثورة الكوبية تصدت له شركة أمواس ( جيليت ) المشهورة لتعرض عليه مبلغ مليون دولار مقابل ان يحلقها بموسى من انتاج الشركة فرفض وكان حينها هذا المبلغ يشكل ثروة لا تقاوم ! فهي الثورية التي رفضت كل مغريات السلطة والثراء وهذا رفيق دربه تشي غيفارا يرفض منصبه الوزاري في كوبا بعد نجاح الثورة وتسلم زمام الحكم ليغادرها الى بوليفيا حيث الثورة في بدايتها ولا بد من تأجيج نارها فيصل هناك ببدلته الكاكي وقيثارة عشقه بندقية آلية عتيقة من طراز أم 2 .... تتصاعد الثورة فيشتاظ الفاشست غضبا ليحاصروه في غابة بلواء عسكري كامل بإمرة عقيد نسى التاريخ إسمه فالتاريخ لا يتذكر من كان مصيره في مزابله ...

لم يكن تشي غيفارا وحيدا بل ألتف حوله عدد من مناصريه الذين أسلموا الروح واحدا بعد الاخر وهم يدافعون عنه وعن أنفسهم ولم يتبق إلا أثنين منهم وقفا كالطود يقابلون النار بالنار حتى نفذت ذخائرهما ليقعا أسيرين بيد الفاشست .. أما تشي غيفارا فرغم إصاباته المتعددة في اكثر من موقع في جسده فكان يحمل من العتاد ما تنوء عن حمله عصبة من الرجال .. كان متكأ على شجرة فما عادت ساقاه تحملانه وهو يطلق نارا غزيرة غير مدافع عن نفسه فقد كان مقتنعا ان نهايته أوشكت أمام هذا السيل من الفاشست الحاقد والمستشعر لدونيته أمام ثوري أراد ان يعلمهم درسا أبت خستهم تعلمه ... وإنما كان يدافع عن الثورة وأهدافها وهو ممسك بقيثارته الحبيبة يتوسل اليها ان تكمل المشوار معه فخذلته العشيقة بعد ان ارتفعت حرارة العشق في ماسورتها لتنصهر وتتوقف عن الرمي ..

وقع تشي غيفارا أسيرا بيد أعداءه الذين أقتادوه لمقر قيادتهم المؤقت في مدرسة وبعد ان قتلوا رفيقيه هناك أوعز العقيد آمر اللواء لعريف من خاصته ان يمطر غيفارا بوابل من الرصاص ... فلم يتمكن مما أضطره ان يرتشف من مطارته خمرا يصارع به رجفاته وخوار إرادته أمام غيفارا ... عاد ليرتشف مرة بعد أخرى وتقدم نحو البطل وقد سحب أقسام بندقيته الآلية ولكنه عاد وتردد فسمع صوت غيفارا يقول له : إرم أيها الجبان .... فما كان منه امام صوت غيفارا الجهوري الا ان ينسحب الى وراء وقد خارت قواه ليسمع تأنيب آمره مطالبا إياه بالعودة الى غيفارا ورشقه بصليات متواصله ... عاد العريف وقد أغمض عينيه ليرشق تشي غيفارا بوابل من النار ... عندها تقدم العقيد ليطلق من مسدسه إطلاقة واحدة حرص ان تستقر في قلب غيفارا إيغالا في حقده وشعوره الذاتي بدونيته .....

كان لابد من هذه المقدمة لنتعرض لثورية من يدعون الثورية في العراق وفلسطين ... فالثورية لا ينبغي لها ان تسعى لامتلاك سلطة بأدواتها الحكومية المعروفة إذ إن الثورة والسطة صنوان لا يتفقان مادام الاحتلال جاثما على الصدور والبحث عن السلطة من خلال عملية سياسية يشرف عليها الاحتلال ويحدد معالمها هو اعتراف ضمني وقبول به ! بل ان حتى التهدئة التي تراها حماس تهدئة لكفاح مسلح يقع في مضمونها إعتراف بهيمنة إسرائيلية تتنافى كليا مع الهدف الثوري الذي يرمي لاسقاط ألاحتلال ! وتهافت حماس على فتح معبر رفح على الحدود المشتركة مع مصر بموجب اتفاقية وقعها أطراف لم تكن حماس أو مصر من ضمنها ... أظهرت طبيعة اللعبة الإسرائيلية لتحويل عبأ إغاثة غزة على عاتق مصر في وقت لغزة الحق في تحميل المحتل الصهيوني عبأ إغاثتها وتموينها بموجب اتفاقات جنيف الدولية ! إضافة لكونها إعتراف ضمني بإسرائيل قدمته حماس مجانا دون مقابل ! ناهيك ان تتحول مأساة غزة اليوم الى مشكلة فتح معبر من عدمه ! فالاعتراف بمحتل ليس بالضرورة من خلال إعتراف مباشر بل قد يكون من خلال وثيقة غير مباشرة أو المطالبة بتنفيذ إتفاقية أحد أطرافها المحتل ذاته ... إلا ان اللهاث على السلطة الحكومية هي التي حالت دون تبصر لما تقدم عليه حماس ... وهذا اللهاث ذاته هو الذي مكّن إيران من ان تأخذ لها موقعا متميزا في غزة! في وقت يعلم فيه القاصي والداني إن إيران تستخدم حتى الشيطان لتمرير مخططاتها الاستيطانية في المنطقة العربية فكيف بفرصة جاءتها من أبناء فلسطين في سياق الدفاع عنها !

كما ان اللهاث الى السلطة هو الذي أدى لتقسيم الضفة والقطاع الى منطقتين متناحرتين تتوجه فيهما الاسلحةالفلسطينية الى صدور الفلسطينيين وهذا بالتأكيد مبعث فرح وغبطة للاسرائيليين من جهة ولملالي إيران من جهة أخرى فليس هناك من فرصة أفضل للتدخل في المنطقة وفرض الضغوط فيها لتخفيفها عن كاهلهم من ناحية ولالتقاط الانفاس لمواصلة تمرير مخططاتهم العدوانية تجاه المنطقة العربية ! وهذا ما حصل ولعل حزب الله في لبنان الذي يدعي المقاومة والثورية كان سباقا لتخفيف الضغط عن حليفته إيران منتصف عام 2006 عندما أشتد الضغط الدولي بشأن الملف النووي الايراني بقيامه بأسر جنديين إسرائيليين لا يقدمان ولا يؤخران من أجل المساومة بهما ودفع المقابل وحلفاءه لاستجداء إيران للضغط على الحليف حزب الله لولا ان الرياح سارت بما لا تشتهي السفن ليستشهد أكثر من ألف لبناني وتدمر البنية التحتية في لبنان وتنزل قوات أممية في الجنوب والتي دفعت قائد حزب الله في لبنان للقول انه لو كان يعلم بما سيجري لما أقدم على أسر الجنديين الاسرائيليين !

وفي العراق هناك لهاث آخر لهؤلاء الذين يدعون الثورية ومقاتلة المحتل ليضعوا أيديهم بيده بحجة أو بأخرى تقف كلها عاجزة عن تفسير مفهوم ثوري واحد ... ونحن هنا بالطبع لا نتحدث عن العملاء المكشوفين للاحتلالين الاميركي الاستعماري والايراني الاستيطاني ولا عن أؤلئك الذين لهثوا خلف غبرة متطايرة بفعل سرف الدبابات الاميركية ولكننا نتحدث عن أؤلئك الذين يدعون الثورية ليدنسوها في أحضان المحتل أو أؤلئك الذين يدعون اليسارية ليمرغوها في وحل أسيادهم من عملاء ومحتلين ... نحن نتحدث عن ثوريين يرون في السلطة تحت حراب المحتل وسيلة لتحقيق أهدافهم الثورية ! ... ورغم هذا فالثوريون الحقيقيون موجودون في العراق أؤلئك الذين فضلوا العمل تحت الارض لا في حكومة ولا في برلمان وبفعل بصماتهم اليومية سيتحرر العراق بإذن الله ليتخلص من المحتلين وعملاءهم ويعود موطنا للحضارة كما كان ...
الكاتب مصطفى العراقي

ليست هناك تعليقات: